
إغيل تبتسم من جديد
سناء إدمالك

كاتبة من المغرب
قامت إغيل، في ليلة من ليالي سبتمبر القارصة، فزعة من هول ما رأت… حدث جلل أيقضها من سُباتها، وزلزل أركانها وأزال عنها غطاءها.
ليلة مارِدة غيّرت معالمها، فحولتها من جنان بهية غنّاء تتنفس عبَق الحياة إلى مقبرة رهيبة غزاها عدو غاشم فتّاك… لم تَسلم … وجاراتها من بطشه وظلمه، لقد أمسك بها شبح الموت بقبضة قوية وجبروت، وسطا عليها وخلخل توازنها، فأفقدها رُشدها وصوابها…
في عتمة ليل حالك صارت تنوح وتترنّح، مثل الدروب البالية خلَت، وشِبه الهياكل المهشّمة أضحت… ما أقساك يا ظُلم وما أشدّ بأسك…! لم يمهلها القدر لحظةً للاستغفار ولم يترك لها فرصةً للفِرار … هزّة قويّة، أفقدت إغيل اتّزانها وأجهدت جسدها فتركت بها أثرا غائرا متغلغلا في الأعماق…
في العادة حين يصاب الفرد بالدوار، تُنخر قوّاه ويتهدل بدنه فيحسّ الضعف والهوان، غير أن ما أصاب إغيل من صُدوع وصدمات، وما خلّفته الكارثة من خراب ودمار، لم يمحُ أبداً عن ثغْرها الابتسامة ولم يكسر عزمها وعزيمتها، ولم يقتل فيها الأمل والشغف… والحياة. إغيل هي… أقوى من أن تهزم وتتدمر… أو ترحل. شدّت على أيدي مُنقذيها، وأقسمت على الثبات والمُضي قدما نحو تحقيق الأماني والأحلام… نحو مستقبل يمنحها أسرار الحزم والالتزام.
أدركت إغيل بعد أنْ قضت ليلة عصيبة، أنّ سبيل العودة إلى الحياة، يستلزم حسن تدبير وتسيير، فطبيعتها الوعرة، وبيئتها القاسية، وفضاءاتها الشاسعة، تستدعي إعادة تأهيلها وإعمارها بوتيرة متأنية وتخمين حكيم. فطِنت مبكرا أن محْوَ آثار الويْل الذي لحق بها ومُداواة الندوب النفسية العميقة التي سلبتها راحة بالها وسعادتها… والرُّضوض التي شوّهت جسدها، يتطلب منها التحدي والصبر، وعون الكرماء ودعم الأصدقاء ومؤازرة الأحباب …والإخوان.
آمنت إغيل دوماً أن بعد الشدة فرجاً آتٍ وفرحاً ومستقراً، وأن الإصرار أسلوب حياة يتمسك به كل مؤمن توّاق… مشتاق إلى نور صباح جديد…إلى يوم عنوانه الأمل. ظلت إغيل لسنين عديدة محافظة على أمجادها، معتزة بتاريخها الأمازيغي التليد، وستظل كذلك شامخة بين الجبال مرفوعة الرأس…عزيزة النفس، لقد عاهدت ربّها أن تبقي وفية لأشجار اللوز والجبل والمروج.
إغيل الأبية… على أهبة الاستعداد… على المواجهة عازمة على البقاء… بابتسامة وهِمّة ستُبّدد الألم، وتهزم السقم وتحارب الوجع… بابتسامة دافئة ستذيب الهموم وتتغلب على الأحزان لتستعيد طمأنينتها… والأماني والذكريات، ولتوقظ السعادة في نفوس ضحاياها الأبرياء.
لقد أيقنت أن الابتسامة مفتاح باب الحياة، وأن التحدي والعزيمة سر النجاح، وأن الثقة في النفس وتحمل المسؤولية جسر العبور صوب الاطمئنان والارتياح. فالأمس بائد والغد حاضِر، وما على إغيل إلا أن تمسح دمْعها وتنتظر أفق فجر جديد آتٍ.
القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن
صورة إغيل للكاتبة.. منجزة بالذكاء الاصطناعي
عذراً التعليقات مغلقة