بقلم: الدكتور نزار محمود
لا شك ان مسلسل معاوية قد أثار الكثير من التساؤلات حول شخصية معاوية الأموي القريشي ابن ابي سفيان وابي يزيد قائد جيش معاوية في واقعة كربلاء التي تسببت في مقتل الحسين بن علي عليهما السلام.
وحيث أننا المسلمون نعيش الانشقاق السياسي والفقهي بين اكثرية سنية وأقلية شيعية منذ ما يقرب من ألف واربعمائة سنة، فإن المسلسل كان له ممن امتدحه ومنهم من ذمه وسفهه سواء قبل عرضه أو بعده، وبصور موضوعية وغير موضوعية.
لقد دارت عشرات وربما مئات النقاشات حول هذا المسلسل سواء في عنوانه وشخصياته أو في محتواه أو في من يقف وراء انتاجه وأهدافه وليس أخيراً في توقيت عرضه. كما تلونت مواقف وتصريحات وتحليلات من تناول المسلسل من كتاب ومفكرين ونقاد وساسة. فالكل يغني على ليلاه، ولكل غاية في نفس يعقوب، وقليل من استطاع أن يقف على مسافة واحدة، وبصدق، من هذا الطرف ونقيضه.
في هذا المقال أحاول، أنا أحد المشاهدين للمسلسل، أن أشير الى بعض من جوانبه وفق رؤية لا تدعي الكمال ولا الملائكية، من خلال المسائل الآتية:
١- الرواية التاريخية للاحداث والمواقف التي أتى عليها المسلسل في سندها وحقيقتها وتفسيراتها، والتي تجد لها من المؤيدين والمعترضين، وبالتالي يبقى الأمر متروكاً للمشاهد في الحكم عليها، تقبلاً أو رفضاً. وأنا، شخصياً، وجدت في الرواية، وحسب معرفتي وتقديري، كثيراً من الموضوعية في الطرح والتلويح والتلميح في ما يخص الحوادث في عرضها وشخصياتها.
٢- الجانب الفني المتمثل بالانتاج والإخراج والتصوير والموسيقى التأثيرية والأداء وجدته متميزاً في جودته، مضاهياً الأعمال العالمية الشهيرة.
٣- قد يدور جدل حول اختيار من قام بتمثيل دور الخليفة علي بن أبي طالب وابنه الحسن في ضوء ما يدور في مخيلتنا من سمات مختلفة في الظهور والسلوك، ناهيك عن اشكالية جواز أو عدم جواز تمثيل الخلفاء والصحابة.
٤- وجدت في سياق عرض المسلسل وواجهتني اشكالية التناقض بين الصورة القدسية للشخصيات الإسلامية والمشاهد الحميمية في المسلسل، التي كنت أتمنى أنها لو لم تعرض بالصورة التي ظهرت عليه، والاكتفاء بالاشارة والتلميح. فمشاهد الحجامة التي تقوم بها إحداهن من المتزينات والمتبرجات من الجواري الحسان أو مما يقع في ملك اليمين لوالي الشام الشاب معاوية وهو شبه عاري في حوض حمام، وغيرها من لقاءات وخلوات استماع الى حكايات وحوارات.
٥- ما يثير الانتباه هو اصرار المخرج على ابراز نقش صليب على صدر أحد العاملين المعتمدين والمؤتمنين في بلاط معاوية والي الشام، وبالتالي اختلاف تفسيرات ذلك.
٦- لقد أظهر المسلسل، ومن المنطقي والطبيعي، وركز على دهاء وحكمة ومهارة معاوية في القيادة والحكم، وكذلك على عدم تورعه في استخدام ما لم يردع خصومه من استخدامه ضده من تصفيات ومكائد.
٧- لقد أظهر ما دار من نقاشات وتشاورات في اطار عمليات اتخاذ القرارات بأن معاوية كان قد أخذ بمبدأ الشورى غير الملزمة للأمير والخليفة. وهكذا كان يتشاور ويستمع، لكنه يتخذ ما ينتهي اليه من تقدير وقرار ومن ثم موضحاً أسباب ما انتهى اليه.
٨- لم يعمل المسلسل على حجب أو تجاهل افتخار معاوية بنسبه القريشي والأموي، وكذلك رغبته في تولية ابنه “يزيد” من بعده على أساس ترشيح منه له ومن ثم اقرار ذلك من خلال مبايعة المسلمين له، عملاً بما سار عليه الخليفة ابو بكر الصديق في تسمية عمر بن الخطاب ليكون خليفة من بعده.
٩- لقد نجح معاوية في امتصاص غضب الخليفة عمر بن الخطاب الذي تحمل مشقة السفر من المدينة الى دمشق، والذي حاء ليؤنب ويعنف وليه على الشام من أمر حياة الأبهة التي كان يعيشها في القصور والجنائن التي تركها الرومان في دمشق، مذكراً إياه بحياة الزهد والعدل بين الرعية، حين أقنعه بما تقتضيه ضرورة المكان وطبيعة سكانها وما اعتادوه من أمر من كان قد حكمهم.
١٠- لقد سلط المسلسل الضوء على بدايات التمرد على خلفاء المسلمين بدعوى المحسوبية والمنسوبية في إسناد أمر الأمصار والتصرف بالغنائم، وبالتالي ما آلت اليه أمور الصراع والغلو في قتل الخليفتين عثمان وعلي وحدوث شرخ الصراع على الخلافة ذاتها.
برلين،